الشيخ محمد الصادقي
356
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
التجاهل والغفلة ، جهلا عامدا دون قصور ، حيث الجاهل القاصر معذور . وليسوا هم بدعا من قائلي هذه القولة ف « قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » من أضرابهم وهم الأكثرية الساحقة في التاريخ « فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » على هذه القولة الجوفاء الخواء « فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا » إصابة يوم الدنيا وأخرى يوم الدين « وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ » الحاضرين وإلى يوم الدين « سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا » على سواء « وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ » اللّه . نجد هذه الآية وأضرابها تكشف عن الفطر والعقول ركام الأهواء الهاوية والشهوات الخاوية ، تعرية من العوامل المصطنعة ، وتجريدا للإنسان في ضلاله عن كل حجة ، ضاربا إلى أعماق التاريخ في الغابرين ، ورابطا بينهم وبين الحاضرين والذين يستقبلونهم إلى يوم الدين ، حيث الكفر ملة واحدة ، وفي علة واحدة ، فإلى جهنم وبئس المصير . وإنها تلمس قلوبهم بعرض مصارع الغابرين ، من هم أشد منهم قوة وأكثر آثارا في الأرض وعمارا « فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » . ألم يعلموا بعد أنّ نعم اللّه بلايا وامتحانات قد تبوء إلى امتهانات ، فهي من اللّه على جهلهم لا منهم « على علم » منهم ؟ فإن لم يعلموا : أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) . وهذا أمر ملموس أنه هو الذي يبسط الرزق وهو الذي يقدر ، فكم من كادّ في طلب الرزق الواسع ، وعالم كيف يكسبه وقد قدر عليه رزقه ، وكم من متبطّل جاهل يأتيه رزقه واسعا رغدا من حيث لا يحتسب .